صديق الحسيني القنوجي البخاري
51
فتح البيان في مقاصد القرآن
أصحاب وقار وعفة ، ولذا كره بعض العلماء الركوب في الأسواق ، ولقوله : وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ . وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً ذكر سبحانه أنهم يتحملون ما يرد عليهم من أذى أهل الجهل والسفه ، فلا يجهلون من يجهل ، ولا يشافهون أهل السفه . قال النحاس : ليس هذا السلام من التسليم إنما هو من التسلم ، تقول العرب : سلاما ، أي تسلما منك ، أي : براءة منك ، يعني قالوا : سلمنا سلاما ، وهذا على قول سيبويه ، أو مفعول به ، أي قالوا : هذا اللفظ ورجحه ابن عطية ، وقال مجاهد معنى : سلاما سدادا ، أي يقولون للجاهل ، كلاما يدفعه به برفق ولين ، قال سيبويه : لم يؤمر المسلمون يومئذ أن يسلموا على المشركين ، لكنه على معنى قوله : تسلما منكم ومتاركة ، لا خير ولا شر ، بيننا وبينكم ، قال المبرد : كان ينبغي أن يقال لم يؤمر المسلمون يومئذ بحربهم ، ثم أمروا بحربهم . وقال محمد بن يزيد المبرد : أخطأ سيبويه في هذا ، وأساء العبارة . قال النحاس : ولا نعلم لسيبويه كلاما في معنى الناسخ والمنسوخ إلا في هذه الآية ، لأنه قال في آخر كلامه : فنسختها آية السيف : وأقول هكذا يكون كلام الرجل إذا تكلم في غير علمه ، ومشى في غير طريقته ، ولم يؤمر المسلمون بالسلام على المشركين ، ولا نهوا عنه ، بل أمروا بالصفح ، والهجر الجميل ، فلا حاجة إلى دعوى النسخ ، وفي الخطيب عن أبي العالية نسختها آية القتال . ولا حاجة إلى ادعاء النسخ بها ولا غيرها ، لأن الإغضاء عن السفهاء ، وترك المقابلة ، مستحسن في الأدب والمروءة والشريعة ، وأسلم للعرض والورع . وقال ابن العربي : لم يؤمر المسلمون يومئذ أن يسلموا على المشركين ، ولا نهوا عن ذلك بل أمروا بالصفح والهجر الجميل . وقد كان عليه الصلاة والسلام يقف على أنديتهم ويحييهم ، ويدانيهم ولا يداهنهم . قال النضر بن شميل : حدثني الخليل قال : أتيت أبا ربيعة الأعرابي ، وكان من أعلم من رأيت فإذا هو على سطح ، فسلمنا ، فرد علينا السلام ، وقال لنا ! استووا فبقينا متحيرين ، ولم ندر ما قال : فقال لنا أعرابي إلى جنبه أمركم أن ترتفعوا . فقال الخليل : هو من قول اللّه ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ [ البقرة : 29 ] فصعدنا إليه فقال : هل لكم في خبز فطير ، ولبن هجير ؟ فقلنا : الساعة فارقناه ، فقال : سلاما فلم ندر ما قال فقال الأعرابي : إنه سالمكم متاركة لا خير فيها ، ولا شر . قال الخليل : هو من قول اللّه عز وجل وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً . قال الحسن : هذا وصف نهارهم ، ثم وصف ليلهم بقوله : وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً على وجوههم وَقِياماً على أقدامهم بيان